ويح نفسي لا ذكرت أوطانها ـ صوت الحنين إلى الوطن
قد يكون من كتب عن الراحل العملاق فقيد الوطن والغناء والفن والثقافة في اليمن (شمالا- جنوبا) أبوبكر سالم بلفقيه من الرفاق المقربين أو من الأصدقاء الذين زاملوه في حياته والفنانين والباحثين المبدعين وكلاّ كتب نواحه ومناجاته بالطريقة التي جمعته بالراحل قربا وصداقة وفنا ولحنا وتخصصا وقد كان في كل ما قراته ثراء وانصاف وان أتى على عجالة ومن الضيق بما حددته واقعة الفاجعة .

ارتبط بلفقيه بالوطن ارتباط ابدي ,أرتباط النورس المهاجر الذي تكثر محطاته وفي كل محطة يضع رحاله هناك حتى تكثر مغازلاته حيث يضع حمله من جبال الأسى ,يحمل الأسى رضيعا يكبر على خلجات أنغامه وأحاسيسه وخواطره المعطاءة حتى ينهمر مطرا مدرارا في محطته القادمة من (حنين وشجن) صب أجمل الألحان واعذب الكلمات التي تحلو سماعا واتساعا شجيا وتدرك معانيها تتابعا بصوته الذي لا خلاف على أنه ابدع الأصوات واميزها وانقاها فهما .
مع بلفقيه تترسل الكلمات عبقة كما صنعت في مهدها وكما اراد لها لهيب الهاجس الناظم يعريها من صعوبتها وينزع عنها اعجمية لهجتها فتالفها الأذن وأن كانت في مستوى من الدروجة ,يجعل منها بمقاربة فريدة ونقاء متناغم ومتناسب مع بيئتها حتى يفهم معناها وتترجم إلى كل اللهجات العربية تلقاء نفسها.
يا صاحب الموتر تان القلب يا ريته يقع لي وطن .
ليس من العسير أن يدرك المتمعن لأغاني أبوبكر أنه كان سفير متوج بأعلى المراتب للأغنية اليمنية والجنوبية خاصة عرفت أغانيه بالفن الغنائي العربي القابع في الركن القصي من شبه الجزيرة العربية وحاضرتها دولة اليمن الجنوبي التي ناغى بعده عنها وعن احبائه والبعد عن وطنه وعرفت بكل ما ينطوي عليه من ثراث وعادات واعتقادات وطقوس وثقافة كما هفت كل الأنفس لنسيم بحارها والاستجمام في خلجانها وما تحويه من منار تسلب الألباب واماكن صورها بأجمل ما أشتقات أليه نفس . يارسولي خذ معك وجدي ...
إلى أن يقول طف على شمسان وساحل أبين والغدير.....
ليس أعز عليه من شمسان والطويلة وجولدمور والمكلا وتريم الغناء مدينة حضرموت, سعاد, حتى الجبال وان كانت اكمة صغيرة أطلت على مضارب ومرابع الأهل والخلان سمعون ,عيديد, .....
وأكبرها شمسان تاج عدن وحظوتها ومعلمها الذي يستأسد على شطآنها يتسيد قممها .
لا ضير أن تمتعنا في رحاب الهواء العذري الذي اتحفنا به العملاق بلفقيه في ثنائية عذبة من (الحنين والشجن )غذتنا بها أغانيه وتلك الألحان الجميلة والأصيلة واللغة الشعرية والشاعرية الممتعة طوّفنا بها بين الأصالة والمعاصرة والحداثة بين تراث البادية وعشق الحسان القيد وبين الحضارة إلى المدنية ونفائسها التي أبقت الجوهر نفيس خالطته بخفة ودماثة خلق فأضفت عليه نوعها المميز وأن شذ بعض الشي وبين المعاصرة في عصر الانفجار التقدمي الكمي محافظة على تلك الكيف بنكهتها الآخاذة وبين الحداثة التي سقت الاجيال وكانت نتاج مؤثر ليس في اليمن فحسب وإنما في الجزيرة والخليج موطن العطش والتأثر لفن الأسلاف .
كان الحنين موئلا يسكنه الراحل حيث سكن وقد تشكل فنه في مجمله من كتلة من الحنين الصاخب ,السفر عبر ملكوت السماء لمناشدة الله أن يجمع شمل الشتيتين وللقياء كان الوطن يسكنه من أخمص قدميه إلى ناصيته
الله يجمع شملنا يا عدن ...ليله في الطويلة ....بندرعدن ...
وقد أتت الكلمات طائعة لكي تذلل مأساته وتناسب آهاته وهواجسه ونواحه الذائب في تذكر تفاصيل المكان ..شمسان يا احيلا مكن ...
حتى ان كان بين أهل ألفهم وكانوا له نعم الصحاب والخلان ,وطن أخر كساه بالخير واليمن والبركات لكن روحه تذهب منه منفلته تأبى الهجوع في صدره علقت حيث تهوى ...
واويح نفسي لا ذكرت اوطانها حنت ....
رغبها ورهبها يا مسافر إلى الطائف فمازالت تدين لأول العشق وأخره في تريم المدينة علينا مضت أغنية فرصه من العمر والله لطيف الله .
الحنين للوطن يولد الحنين للأهل والاصدقاء والصحبة وهذا يتولد عنه أسى عميق ينجم عنه شجن لا يغادر إلا بخاطرة وتذكار يرسله عبر الأثير إلى من تذكرهم وما أشدها من مأساة رواها عنه الشاعر عبدالله البقعي الذي كتب أغنية حجة الغائب معاه جاد بها علينا القاص محمد عمر بحاح حيث قال :- هاجر بلفقيه عدن بعد ان قدم اليها من تريم حضرموت إلى المملكة وتركت اسرة المكونة من زوجته وابنه احمد وابنتاه الحان وانغام وفي ضل النظام الجنوبي انذاك وقد كان حسب ما فهمت سفره بدون أوراق تسمح له بذلك وعندها لم يستطع أن يعود للقاء أهله وزوجه فكان يوم زفاف أبنته الحان فعاتبته لأنه لم يستطع ان يحضر زفافها وكان برفقة الشاعر البقعي فقص عليه قصته فكتب له حجة الغائب معاه لحنت في نفس الليلة .
الشجن عنوان تسطره أغاني بلفقيه يبدو واضحا في سحنة صوته اللاذعة وسجع الترانيم التي تعلو وتنخفض بما يتناسب مع عذابات الشجن التي يعبر عنها بكل أحاسيسه وإيماءاته وقفلاته حيث يدع من الغد والامل منفذ لقادم أجمل .
يا عين لا تذرفي الدمعة...ودعت قلبي ..يا حامل الأثقال ..غدر الليل ...لما الاقي الحبيب ...يا ساحر العينيين ,لأني بصاحي والاني بنايم إن أغاني بلفقيه بحق كتبها معبرة عن نجواه وكتبت له متناسبة مع شخصة والآمه واحزانه وفراقه للأهل والخلان والوطن هذا الفراق الذي شكل عظيم الاثر لحياة أمتع بها عشاق الحرمان والصوت الممتع وقد تاه بلفقيه يعبث في التخلص من الوجد والبعد يبحث عن ما يخفف أحزانه ويداول جراحه وكأن قائلا يقول ستعوض ذلك الحرمان في مبتغى آخر أو انها ستصلك إلى درب ترتضيه . فيصيح وينك يا درب المحبة .
إلا أن أصبحت الحياة دميمة لا يستساغ لها طعم ولا يهناه تذوقها فيزفر غيضا وحنقا ... سر وتخبر ع مليح أسمر
إلى أن تتجلى الروية وتتضح مشارف الحياة بعد رحلة الشقاء والتعاسة قناعة منها بان لا درب غير درب الاحباب ولا وطن غير وطن أجاد صقل شخصية وشرب منه مناهل الاسلاف .
خذ من الهاشمي , يا زين حبك في كياني